سعيد عطية علي مطاوع
166
الاعجاز القصصي في القرآن
لطيف ، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما ، لمّا كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك ، فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس في المعنى من غيره من العناصر ، ولمّا أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل أخبرهم أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير ، تعظيما لأمر ما يخلقه بإذنه ، إذ كان المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به . ومنه قوله تعالى : " وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ " ( سورة النور : 45 ) . فإنه سبحانه إنما اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر ، لأنه أتى بصيغة الاستغراق ، وليس في العناصر الأربع ، ما يعم جميع المخلوقات إلا الماء ، ليدخل الحيوان البحري فيها . . 2 - قوله تعالى في قصة يوسف : " قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ " ( يوسف : 85 ) . . لقد نقلت الآية مواقف غريبة ، وقفها أبناء يعقوب من أبيهم وأخويهم ، فقد ألقوا " يوسف " في الجب وجاءوا على قميصه بدم كذب ، وجاءوا أباهم عشاء يبكون ، وكذبوا على أبيهم ، ونالوا منه ، واتّهموا أخاهم بالسرقة ، وجاءوا أباهم يزفون إليه خبر اتّهامه مستشهدين بأهل القرية ، فسكت الأب على ألم ومضض ، وتولّى عنهم وتذكّر يوسف وتأسّف عليه ، وبكى حتى فقد بصره . . . وقد حملت الآية هذه الغرابة من جهات كثيرة : أ - ف " تاء " القسم أغرب أدوات القسم وهي لا تجئ إلا في المواقع الغريبة على عكس الواو والباء . ب - و " كان " أكثر استعمالا من " فَتًى " ، وفتئ لا تستعمل بدون " ما " ومجيئها بدونها غريب أيضا ج - - وقد أتت الآية بأغرب ألفاظ الهلاك ، وهو " الحرض " . . فمواقف بني إسرائيل الغريبة حملتها الألفاظ التي جاءت غريبة من حيث مجيء القسم بالتاء دون الواو والباء ، ومجيء " فتئ " دون " كان " واستعمالها بدون " ما " ، وكذلك التعبير " بالحرض " دون الهلاك 46